|
إن
الراية تمثّل كل ما يفعله البشر أو يؤمنون به أو يعرفونه أو يمرون به من تجارب
وخبرات على اختلافهم. إنها الرمز الأول من نوعه: أي هي إقرار صريح وخالد بتجانس
البشر وتجاربهم في العالم أجمع، بغض النظر عن تباينهم.
إن
الرايات رموز مميزة-تزاوج بين القوة والبساطة والأناقة- تعرض في كل مركز سكاني صغير
أو كبير في أنحاء العالم. وبالإضافة إلى أكثر من 200 علم وطني هناك المئات من
الأعلام التي ترمز إلى مختلف الأقاليم والبلديات والشركات والأخويات والديانات
والمؤسسات التعليمية والرياضية والعائلات إلخ. وهناك أيضاً فروق في السياسة
والاقتصاد والفلسفات والعادات والقيم والتقاليد، ومن المناسب والبديهي أن يفخر
الناس بما يميزهم عن سواهم وأن يعتزوا بالرمز الذي يمثّلهم كما مثل أسلافهم من
قبلهم وطبعاً هذه الرموز ليست سيئة، ولكن مثلما هناك اختلافات، فهناك أيضاً هويات
في التجربة البشرية ذات أثر عميق. والمثل عن ذلك حب الأطفال والرغبة في الحياة
والصحة والمعرفة والسعادة والاهتمام بسلامة أحبابنا وسعادتهم. فهذه القيم يشترك
فيها البشر في العالم أجمع.
نحن
البشر نشترك في خصائصنا البيولوجية وفي أننا عرضة للأمراض والشعور بالآلام
والسعادة. نأتي إلى هذه الدنيا بلا حول وبلا قوة، في حاجة إلى المحبة والحماية
والغذاء لننمو. وبالرغم من وجود الاختلافات والفوارق بيننا فإننا جميعاً نكتسي
لنتقي شر الطبيعة ونستخدم الرموز للتواصل كما أن لنا مجموعة عواطف واحدة. نحن غير
مكتملين وإننا ندرك ذلك كما أننا نرتكز على قاعدة واحدة من المعارف. نُشيّد المباني
والجسور والمستشفيات ونتمسك بالقوانين والتقاليد كما نرغب في الأطعمة والمنتوجات
عينها. تبكينا وتضحكنا الأشياء نفسها. نبتدع الموسيقى ونطرب لها وللشعر والرواية
ونقدّر جداً إحياء ذكرى جدودنا وقائمة التشابهات هذه تبدو بلا نهاية.
وكما
قال أحد الكتاب ذات مرة، إن الكائنات البشرية مثل الأهرامات في أن الفوارق بينها
تتواجد فقط في أعلى الطبقات الحجرية القليلة. ولعل هذا الأمر حقيقي، لكن كيف نفسر
بأننا حين ننظر من حولنا نميل إلى رؤية العناصر المخيفة والمتوعدة في الفوارق بين
البشر؟ هل أن تشابهنا الأساسي هو ذاك الجزء في الهرم البشري الكامن تحت الأفق خفياً
عن الأنظار؟
إن
الأعلام في العالم تشكل رموزاً متعارف عليها في كل مكان وترمز إلى الانقسامات
والانفصالات القائمة بين شعوب العالم وتشيد بها. جميلة هي وصامدة وهي تستحق المكانة
التي تحتلها في قلوبنا حتماً لكن في الوقت عينه لم يعد من الكافي أن نرمز إلى
فوارقنا أو نتحدث عنها فسحب. حين نفعل هذا فإنما نؤدي نصف الفكرة فقط وكأننا نصف
الهرم مشيرين فقط إلى طبقاته الحجرية العليا.
إن
كان الهدف من رايات العالم أن تمثلنا (وهذا ما تفعله) وإن كان علينا العيش تحت ظلها
(وهذا ما نفعله) فإن الأوان قد آن لها لتستكمل مهمتها الرمزية. وقد آن الأوان لنجعل
فوارقنا ووجوه شبهنا الجوهرية-وهما عاملان متباينان يتفاعلان في حياتنا اليومية-
موصوفة ومكرمة في الوقت عينه كذلك.
إن الراية المصاحبة التي ترفرف مع أعلام الدنيا الأخرى ستنجز هذا الهدف المنشود.
وستذكرنا على الدوام وبلطف وتميز بأن حياتنا وحياة الناس في كل مكان تتأثر ببشريتنا
الجوهرية كما بالظروف والحالات ووجهات النظر المتباينة والعجيبة. التأثيران قيمان
ولا يمكن إنكار أي منهما لكن الأثر الأول مميز، فالبشرية هي رابطنا المشترك فكلنا
نحمل جوهرها بين أضلعنا مهما برزت خلافاتنا والراية المصاحبة هي رمز لتلك البشرية،
وتبنّينا لهذه الراية يمثّل لحظة تاريخية كونية من الإقرار بالذات والتفاهم
المتبادل والاحترام. |