|
لقد
وقع الاختيار على علم أبيض مع خط ملون واحد في أعلاه ليتناغم ويتجنب التضارب مع
الرايات الأخرى أو التغطية عليها. إنها "راية مصاحبة" والهدف منها هو أن ترفرف مع
الرايات الأخرى حول العالم وعلى السارية نفسها.
إن
الخط الأعلى في الراية المصاحبة والذي يطابق لوناً من ألوان العلم المضيف يشدد على
الحاجة إلى أن نتقبل بصورة متزامنة فوارقنا وتشابهما فنتجنب الميل إلى الاعتقاد بأن
هناك راية "أكثر واقعية" و"صلة" من راية أخرى.
يفرض
علينا أن تحيط عقولنا بهذه المعضلة: أن جميعنا وفي كل الأوقات والظروف مختلفين
ومتشابهين مهما بلغنا من شغف إزاء فوارقنا المعينة أو انتماءاتنا أو قضايانا أو
بشأن تشابهنا وأية كانت الخيارات أو الأفعال التي نؤيدها أو يؤيدها الآخرون. إنها
معضلة بلا شك لكن يمكن لعقولها أن تستوعبها برفق وبالكامل. فالرأفة متجذرة في وعي
فاعل ومستديم لكل ما نشترك به على الرغم من اختلافاتنا، عبر إضافة رمز إلى كل ما
نشترك به في رموز تنوعنا الحالية وافتراقنا وانتماءاتنا فنضفي يومياً إدراكاً
لتشابهنا الأساسي-وهذا أساس للرأفة البشرية- بدون إنكار فوراقنا.
وللحقيقة المساحة البيضاء الكبيرة أدنى الخط الملون تمثل كل ما اشترك به البشر في
الفعل والإيمان والمعرفة أو التجربة على الرغم من فوارقهم. ويمكن اعتبارها أيضاً
صفحة بيضاء يكتب عليها أولادنا وأحفادنا وكل الأجيال من بعدهم مستقبلاً أكثر
إشراقاً ورحمة لأنفسهم وللأرض وكل سكانها!
يدرك
كاتب هذه السطور إن اللون الأبيض بلا شك قد اكتسب صفات ومعان مختلفة في هذا العصر
كالجنس الأبيض مثلاً وخاصة بالمقارنة مع ذوي البشرات الداكنة كالشعوب السوداء
والصفراء والحمراء. وفي الكثير من المجتمعات الأسيوية يعتبر الأبيض اللون التقليدي
للحداد والموت وقد يتوهم البعض تفسيرات كهذه لانتقاء اللون الأبيض إلا أن هذا الأمر
لن يجديهم نفعاً. ولم لا؟ لأن الراية البيضاء تمثل كل ما هو دقيق وكل ما هو دائم:
أي كل شيء يشترك به البشر في الفعل الإيمان والتجربة، بالرغم من اخلافاتهم.
ولا
يمكن للراية المصاحبة أن تمثل العرق الأبيض على حساب الآخرين لأن خاصية البياض ليست
صفة مشتركة بين البشر كلهم كما لا يمكن للراية أن تمثل الموت والحداد لأن الإيمان
بأن اللون الأبيض يرمز إلى الموت والحداد ليس مشتركاً من كافة البشر.
لكن
هناك سابقة تاريخية لاستعمال الرايات البيضاء ففي العام 1863 وافق مؤتمر دولي في
جينيف على اعتبار كل الذين يعتنون بالمرضى والجرحى خلال الحرب كأشخاص محايدين وعليه
تم الاتفاق على اتشاح الرايات على السيارات البيضاء والمستشفيات بمساحة بيضاء كرمز
إلى السلام والحياد.
وهكذا
تم تبني علم الصليب الأحمر الشهير سنة 1863 وفي العام 1876 تم تبني علم الهلال
الأحمر للاستعمال في الدول الإسلامية.
وقبل
الانتهاء من هذا الموضوع، هناك سؤالان يطرحان كثيراً: "لم استعمال الراية أصلاً
لترمز إلى البشرية المشتركة؟ و"ألا يؤدي العلم الأولمبي وعلم الأمم المتحدة هذه
الوظيفة أصلاً؟"
إن
اختيار راية لترمز إلى اعتراف البشرية جمعاء بنفسها هو تصرف انتهازي حتماً (ونرجو
ألا يعتبر تصرفاً استغلالياً خالياً من الحكمة) إن الرايات والساريات موجودة في
أنحاء العالم وفي كل مدينة وبلدة وقرية. الرايات هي رموز ملفتة كما سبق وذكرنا،
تزاوج فريد بين الأناقة والقوة والبساطة. ولأن البشر يستفيضون في تبجيل هذه الرموز
فإن الرايات والساريات تنصب في الغالب في أجمل المواقع وأكثر عيبة وهي تعرض بطريقة
تكون فيها على مرأى من أكبر عدد ممكن من الناس. وعلى كل سارية، توجد فسحة لعلم آخر
وهذا يعني ألا نعتبر ربط علم آخر بتلك الساريات أمراً سخيفاً.
إن
الراية المصاحبة ليست ببادرة صبيانية فالرايات المستعملة حول العالم، تفرقنا على
الرغم من جمالها وهي ترمز فقط إلى فوارقنا وانفصالنا. ومن هذا المنظور فهي غير
مكتملة رمزياً. ففوارقنا موجودة وحقيقية بلا شك وقد يقول البعض إنها تستحق أن نقتل
أو أن نموت فداء لها وقد يكون ذلك حقاً. لكن لا يمكن لأي شخص مسؤول أن يقول إن
فوارقنا هي القصة كلها. فحين ترمز الرايات فقط إلى فوارقنا وانفصال أحدنا عن الآخر
فإنما تغفل بشريتنا المشتركة كل ما اشترك به البشر من فعل وإيمان وتجربة على الرغم
من فوارقنا.
الراية المصاحبة تملأ الفراغ بصورة ربما عجز عنها أي رمز آخر من قبلها وبالتالي
فإننا نحض بمزيد من التواضع والاحترام على إضافة هذه الراية إلى الساريات في كل
مكان في العالم.
إن
العلم الأولمبي بخلفيته البيضاء وحلقاته المتعددة الألوان هو رمز جميل للمثال
الأولمبي أي السلام والتفهم من خلال منافسة رياضية دولية. وإن حب الرياضة والنشاط
البدني من الأوجه المشتركة للتجربة البشرية لكن الراية المصاحبة ترمز إلى أكثر من
التنافس الرياضي بكثير.
وفي
المقابل، فإن علم الأمم المتحدة يرمز إلى هيئة حاكمة عالمية أو كما يقول البعض
منظمة للتعاون بين حكومات العالم، والأمم المتحدة تؤدي دوراً فاعلاً في حل النزاعات
الدولية وصنع السياسات وتطبيقها والأعضاء فيها هي دول ذات سيادة وكيفما نظرنا إلى
راية الأمم المتحدة فمن الواضح أنها لا تمثل كل ما يشترك البشر في فعله والإيمان به
وتجربته على الرغم من اختلافاتهم إذاً هذه الراية أيضاً تختلف عن الراية المصاحبة. |